مصطفى صادق الرافعي
85
اعجاز القرآن والبلاغه النبويه
المجرى ، فلما نزل القرآن بمعانيه الرائعة التي أفتن بها في غير مذاهبهم ، ونزع منها إلى غير فنونهم ، لم يقفوا على ما أريد به من ذلك ، بل حملوه على ظاهره وأخذوا منه حكم زمانهم ، وكان لهم في بلاغته المعجزة مقنع ، وما درى عربي واحد من أولئك لم جعل اللّه في كتابه هذه المعاني المختلفة ، وهذه الفنون المتعددة ، التي يهيج بعضها النظر ، ويشحذ بعضها الفكر ، ويمكّن بعضها اليقين ، ويبعث بعضها على الاستقصاء ، وهي لم تكن تلتئم على ألسنتهم من قبل ؟ بيد أن الزمان قد كشف بعدهم عن هذا المعنى ، وجاء به دليلا بيّنا منه على أن القرآن كتاب الدهر كله ؛ وكم للدهر من أدلة على هذه الحقيقة ما تبرح قائمة ؛ فعلمنا من صنيع العلماء أن القرآن نزل بتلك المعاني ، ليخرج للأمة من كل معنى علما برأسه ، ثم يعمل الزمن عمله فتخرج الأمة من كل علم فروعا ، ومن كل فرع فنونا ، إلى ما يستوفي هذا الباب على الوجه الذي انتهت إليه العلوم في الحضارة الإسلامية ؛ وكان سببا في هذه النشأة الحديثة من بعد أن استدار الزمان وذهبت الدنيا مستدبرة وأنشأ اللّه القرون والأجيال لتبلغ هذه الحادثة أجلها ويتناهى بها القضاء وإن من شيء إلا عند اللّه خزائنه ، ولكنه سبحانه وتعالى يقول : وَما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ . ولقد كانت النهضة العلمية في زمن بني أمية قائمة بأكثر العلوم الإسلامية التي مرّت الإشارة إليها ، حتى امتهد أبو جعفر المنصور : ثم الرشيد من بعده للنهضة العباسية الكبرى التي نشأت من جمع كلمة أهل الفقه والحديث بعد انشقاقهم زمنا وافتراق الكلمة بينهم - ومن إقبال الناس على الطلب والاستيعاب ؛ فكان ذلك تهيئة لانشقاق علوم الفلسفة والكلام وما إليها وظهور أهلها وانحياز السنّة عنها جانبا ، ثم اجتماعها على مناظرتها ؛ فإن المنصور « 1 » لما حج في سنة 163 ه لقيه مالك بن أنس رضي اللّه تعالى عنه بمنى على ميعاد ، بعد الذي كان مما أنزل به جعفر بن سليمان عامل المنصور على المدينة من الضرب بالسوط وانتهاك الحرمة وإزالة الهيبة « 2 » قال مالك رحمه اللّه : « ثم فاتحني ( يعني المنصور ) فيمن مضى من السلف والعلماء ، فوجدته أعلم الناس بالناس ؛ ثم فاتحني في العلم والفقه فوجدته أعلم الناس بما اجتمعوا عليه وأعرفهم بما اختلفوا فيه ، حافظا لما روى ، واعيا لما سمع ، ثم قال لي : يا أبا عبد اللّه ، ضع هذا العلم
--> ( 1 ) كان المنصور هذا مع تقدمه في الفقه وبراعته في العلوم الإسلامية ذا بصر بالفلسفة والصناعة الفلكية ، مؤثرا لأهل هذه الصناعة ؛ وفي أيامه ترجمت طائفة من جياد الكتب ، وكان هو أول من أمر بترجمة كتب الفلك والمنطق فقام بالأولى محمد بن إبراهيم الفزاري وأخرج الثانية كاتبه البليغ المشهور عبد اللّه بن المقفع ، فله على العلم كما رأيت يدان . ( 2 ) وكان ذلك لأمر بلغ جعفرا عن مالك ، إذ قيل إنه كان يفتي بأن أيمان البيعة لا تحل لبني العباس ولا تلزم الناس ، لأنهم يبايعون لهم مخافة واستكراها .